غضًّا كما أُنزل

Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook
Share on telegram

معالم من طريقة قراءة النبي -صلى الله وعليه وسلم- للقرآن

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: أن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- بشراه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد).

كثيرًا ما يتضجر بعض الحفاظ من حرص المعلمين على تصحيح اللحون والأخطاء التجويدية، وكثيرًا ما نسمع قراءات تكاد تخلو من الاتقان والترتيل وحسن الآداء والوقوفات، فيتجاهل البعض أهمية ذلك الشرط الأساسي لقراءة القرآن، ويظنون أن الحفظ مقتصر على استظهار الآيات غيبًا دون الالتزام بأحكام التجويد وأحكام الوقف والابتداء الواردة فيها.

عندما مدح الرسول -عليه الصلاة والسلام- قراءة ابن مسعود مدح اتقانه لصفة القراءة وضبطه للطريقة التي جاء بها القرآن ونزل عليها، تلك الحلاوة التي تكسو الآيات عذوبة وطراوة، وذلك الترتيل الذي يقرع القلوب موصلاً إليها جلال الآيات، وموغلا في شعور السامع عظمة ذلك الكلام.

عندما تكون غاية الحافظ أن يقرأ القرآن كما أحب النبي -صلى الله عليه وسلم- قراءته وسماعه بها فلن تهون عليه مجاوزة الأحكام دون إعطاء كل حكم وكل حرف حقه ومستحقه.

عندما سُئِلَ أنَسٌ-رضي الله عنه-: كيفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فَقالَ: ” كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]؛ يَمُدُّ بـ{بِسْمِ اللَّهِ}، ويَمُدُّ بـ{الرَّحْمَنِ}، ويَمُدُّ بـ{الرَّحِيمِ}.”

لم تكن قراءة مستعجلة كانت ممدودة مطمئنة، لم يكن يجتزئها أو يجتزئ آخر الكلمات فيها، امثالا لأمر الله له بالترتيل والتمهل والتؤدة في القراءة..

يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد:

“وكان صلى الله عليه وسلم يتغنَّى به، ويُرجِّع صوتَه به أحياناً كما رجَّع يوم الفتح في قراءته: (إنَّا فتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً) الفتح/1.

وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجِيعَه، آ ا آ ثلاث مرات، ذكره البخاري، وإذا جمعت هذه الأحاديثَ إلى قوله: (زَيِّنُوا القُرآن بأصْواتِكُم)، وقوله: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآن)،  وقوله: (ما أَذِنَ اللهُ لِشَيء، كأَذَنِهِ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْان)، علمت أن هذا الترجيعَ منه صلى الله عليه وسلم كان اختياراً لا اضطراراً لهزِّ الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة لما كان داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبدُ الله بن مغفَّل يحكيه ويفعلُه اختياراً لِيُؤتسى به، وهو يرى هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوتُه ثم يقول: (كان يُرجِّعُ في قراءته) فنسب التَّرجيع إلى فعله. ولو كان مِن هزِّ الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعاً” انتهى.

وعندما سئلت أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- عن صفة قراءة النبي-صلى الله عليه وسلم- قالت: (كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا قرأَ يُقطّعُ قراءتَهُ آيةً آيةً بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ).

فلم يكن -عليه الصلاة والسلام- يصل كثيرًا بين الآيات، بل كان يقطعها، ويقف على كل آية مبينًا للسامعين رؤوس الآيات ومعانيها.

وقد نعتت أم المؤمنين أم سلمه -رضي الله عنها- أيضا قراءته بأنها كانت (مفسرة حرفا حرفا)!

فقد كانوا يسمعون في طبقات صوته ومداته المعاني مفسرة، وتقشعر جلودهم من جمال آدائه وارتكاز همزاته وسكتاته، فيستشعرون خطاب الله لهم.

ومن معالم قراءته عليه السلام ماورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كانَت قراءةُ النَّبِيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلم باللَّيلِ يرفعُ طَورًا ويخفضُ طَورًا)

فقد كان عليه السلام يراوح بين طبقاته صوته فيرفعها ويخفضها بما يتناسب مع ذلك، فيطرد السآمة عن السامع، ويعين على التدبر، ويراعي حال من حوله.

وقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قام بآية واحدة يرددها حتى أصبح وهي قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

آية واحدة ملأت عليه ليله، وهزت جنانه وأركانه، فأخذ -عليه الصلاة والسلام- يرددها مستجيرًا بالله من عذابه مستغفرًا منكسرًا بين يدي ملك الملوك سبحانه.

فلا أجل ولا أسمى ولا أعظم من قارئ يرتل القرآن محتذيًا بنبيه، متبعًا لسنته، معظمًا لكلام ربه، مترنمًا بآياته.

فكم من سامع تاه فأرشدته إلى سواء السبيل آية، وكم من مذنب حالت بينه وبين المهالك آية، وكم من محزون آنست قلبه آية، وكم من مبتلى شدّت أركان ثباته آية.

اللهم إنا نسألك تلك الطراوة والعذوبة والنداوة، ونسألك أن تسكب القرآن في قلوبنا، وتجريه على ألسنتنا غضا كما أنزلته على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً