ذهب الظَّمأ ، وابتلّت القلوب

Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook
Share on telegram

استقبلنا شهرٌ عظيم، وفينا حنين يتنامى لساعات فراغ الجسد من فضول الملذات، وامتلاء الروح بسكينة الطاعات، للشهر المصطفى من بين الشهور، المكرم بالتنزيل، المعظم بالصيام والخلوات، للأيام التي يُلِح المسلمون على ربهم بأن يمتعهم بالعافية حتى يبلغوها، ثم يتبتلون إليه طامعين بالقبول.

تاج الشهور، ربيع المؤمنين، ومراح العابدين.

ألم يخالجك السؤال مرة لماذا رمضان؟ وما سر هذا الارتباط القوي بين رمضان والقرآن؟

عندما نتتبع المواضع التي ذكر الله فيها رمضان في القرآن وهي ثلاثة مواضع الأول في سورة البقرة: 

(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن).

وموضعين آخرين جاء فيهما ذكر أعظم لياليه أحدهما في سورة الدخان: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين).

وآخر في سورة القدر:( إنا أنزلناه في ليلة القدر).

كل المواضع تنبئك عن سبب جليّ شرّف الله لأجله رمضان!

كيف لا! وهو الظرف الزماني للحدث الأعظم، الذي أضاء للبشرية أنوار الهدى والبينات، فانقشعت معه ظلمات أزمنة من التيه والضلال.

شهر التنزيل وموعد اللقاء الأول بين أعظم ملك وأعظم إنسان!

بين جبريل -عليه السلام- ومحمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم-، ومازال ذاك اللقاء يتكرر كل عام، في نفس التوقيت، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: ” كان جبريل يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل ليلة في شهر رمضان، حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن”.

وأي مدارسة تلك المدارسة! 

كلام رب الأرباب، يتدارسه رسول الأمة، وروح القدس، في الليالي التي باركها الرحمن، وشرفها بإنزال القرآن.

لذلك كان الصحابة يرون أثر تلك المدارسة أمامهم بادية جلية على رسول الهدى -عليه صلوات الله وسلامه- حتى قال عنه ابن عباس-رضي الله عنه-: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة).

أنظر إلى آثار ربيع القرآن على من أنزل عليه؛ فكيف ستكون آثاره على قلوبٍ أثقلتها المعاصي، وتهافتت عليها الشهوات والشبهات، وترنحت بين الهفوات والزلات!

ما أحوجها لذلك الوابل الصيب من الهدى الرباني الذي يهزها لتربو وتنبت فتجود.

ولا تنبت الأرض ثمارها حتى تزكو تربتها وتطيب (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا).

فكأن أيام الصيام جاءت مُهذبة للنفس مفرغة لما فيها من وحشة الدنيا وزحام الذنوب، حتى ينسكب القرآن في القلب انسكابًا عذبًا تاركًا في قلب قارئه ربيعًا مورقًا تبدو سماته على أفعاله وسكناته.

ولا عجب حين ارتبط القرآن بالصيام حتى في غير رمضان فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيام يوم الاثنين: (ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت -أو أنزل علي فيه-).

وكأنها لفتة تنبئك أن القرآن لا يبدي ثماره إلا على نفس تفرغت من فضول الدنيا من طعام وشراب ونكاح وكلام وذنوب وحرام، وترفعت عن فضول المباحات، فانكفأت على محاريب العبادة، وصامت عن ملذات الدنيا، فعجل الله لها النعيم، وأذهب ظمأها بالقرآن العظيم، حتى ارتوت وأينعت.

اترك تعليقاً