الحفظ والتدبّر .. علاقة طردية

Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook
Share on telegram

التدبّر كما يقول الشوكاني: “يقال تدبرت الشيء : تفكرت في عاقبته وتأملته”، أما الحفظ فهو: الـحِرَاسَةُ والرِّعَايَةُ وَالعِنَايَةُ ، وَمِنْ مَعَانِيه: الإِبْقَاءُ والصِّيَانَةُ والتَّعَاهُدُ والـمُوَاظَبَةُ ،والـمُرَاقَبَةُ والاِحْتِرازُ. وقد حثّ الوحي على كليهما بل جعل تدبّر القرآن الغاية من إنزاله؛ قال تعالى: “كتابٌ أنزلناه مبارك ليدّبروا آياته “،

يقول العلّامة السعدي: “{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة،وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب. 

{لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها،فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.”

وقال تعالى في الحفظ : “بل هو آياتٌ بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم” قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه، إلا النبيون.

ونلحظ في معنى التدبّر أن فيه تكرار نظر وزيادة تعمّق في الشيء للوصول إلى معنًى ما، ونلحظ في معنى الحفظ أن فيه ضبطًا للشيء وصيانة له من كل منافذه وجهاته، وكلا المعنيين يتداخلان ببعضيهما ويحتاج كل منهما للآخر، بل الحافظ الموفّق من أحسن الجمع بينهما فيحفظه وضمّ الحدود للحروف وعمل بمراد القرآن من الفهم والتدبّر ثم ألحق بعد ذلك العمل بالعلم.. 

فالشاهد أنه حريٌّ بحافظ القرآن أن يتدبّرالآيات أثناء حفظه ومراجعته لها؛ فتكراره لها فرصة لأن يتدبّرها؛ وتدبّرها يزيد من رسوخ الآيات في ذهنه؛ فهو حين يُعمل عقله وإحساسه في الآيات ويقصد الانتفاع والاهتداء بها تُثار مشاعره وتستيقظ أفكاره ويتنقّل ما بين قصص وذكريات وإسقاطات يومية ومشاهد اجتماعية وعلاقات إنسانية وأحداث سياسية وظواهر كونية .. بل ربما سقطت دموعه وأذعنت نفسه تأثرًا وإقبالًا، فهذه الهزّات الوجدانية الفكرية كفيلةٌ بتفاعل الدماغ وتنشيط الذاكرة بإذن الله، فهو حين يستدعي من ذاكرته الآية التي تدبّرها لا يستدعيها كألفاظ وحروف فقط، بل كتفاعل شعوري وصور معنوية ومشاهد مألوفة كذلك، بل ربما انطلق لسانه ونشطت ذاكرته في الآية التي حفظها بتدبر أكثر من الآية التي حفظها بدون تدبّر.. ونحن نلحظ أنفسنا مثلًا نحفظ البيت أو البيتين من قصيدةٍ ما حفظًا تامًا ونخطئ في سائر أبيات القصيدة؛ ولو تساءلنا لماذا لرأينا أن هذين البيتين تلامسان أعماقنا وتذكّرانا بذكرى معينة أو معنًى قريب لأنفسنا، وهكذا الأمر نفسه مع كتاب الله، والفارق هنا أن الإنسان يجتهد في تثوير هذه المعاني والخواطر من كتاب الله؛ 

فكما يقول ابن مسعود- رضي الله عنه- :”ثوّروا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين”.

اترك تعليقاً